فصل: والقولُ قَوْلُهُمْ بلا يمينِ *** والاتِّهام غَيْرُ مُسْتَبينِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البهجة في شرح التحفة ***


والقولُ قَوْلُهُمْ بلا يمينِ *** والاتِّهام غَيْرُ مُسْتَبينِ

‏(‏والقول قولهم‏)‏ أي الأمناء المتقدمين ‏(‏بلا يمين‏)‏ عليهم ‏(‏و‏)‏ الحالة هذه وهي كون ‏(‏الاتهام غير مستبين‏)‏ فإن اتهم أحدهم وكان ممن يشار إليه بها وجبت عليه اليمين كما مر عن ‏(‏خ‏)‏ في المودع حيث قال‏:‏ وحلف المتهم‏.‏

وقِيلَ مِنْ بَعْدِ اليمينِ مُطْلَقا *** وَالأَوَّلُ الأَوْلى لدى مَن حَقّقَا

‏(‏وقيل‏)‏ القول قولهم ‏(‏من بعد اليمين مطلقا‏)‏ كان ممن يتهم أم لا ‏(‏والأول‏)‏ وهو عدم اليمين إذا لم يتهم هو ‏(‏الأولى‏)‏ والمعتمد ‏(‏لدى من حققا‏)‏ وعليه درج ‏(‏خ‏)‏ كما مر‏.‏ وانظر ما تقدم في شرح قوله‏:‏ وتهمة إن قويت بها تجب يمين متهوم الخ‏.‏

وَحَارِسُ الحَمَّامِ ليس يَضْمَنُ *** وَبَعْضُهُمْ يقولُ بلْ يُضَمَّنُ

‏(‏وحارس الحمام ليس يضمن‏.‏ وبعضهم يقول بل يضمن‏)‏ اللخمي‏:‏ اختلف في تضمين صاحب الحمام ما ذهب من الثياب فقال مالك في المدونة‏:‏ لا ضمان عليه، وقال في كتاب محمد‏:‏ يضمن إلا أن يأتي بحارس، وإذا أتي بحارس سقط عنه الضمان وعاد الخلاف في الحارس فقال في المدونة وكتاب محمد‏:‏ لا ضمان عليه‏.‏ وقال ابن حبيب‏:‏ يضمن لأنه أجير مشترك وعدم الضمان أحسن اه‏.‏ وقال ابن رشد‏:‏ حارس الثياب إن استأجره صاحب الحمام لحفظ ثياب الداخلين بأجرة ثابتة في ذمته فلا خلاف في عدم ضمانه إلا أن يفرط، وأما إن كان يحرس ثياب الناس يجمل بأخذه من كل داخل فقال مالك‏:‏ لا ضمان عليه‏.‏ وقال ابن لبابة‏:‏ وما سواه خطأ‏.‏ وقيل‏:‏ يضمن لأنه كالراعي المشترك، وإليه ذهب ابن حبيب اه‏.‏ وقد علمت أن صاحب الحمام هو مكتريه لا حارس الثياب والخلاف فيهما معاً، والمشهور عدم الضمان فيهما كان بأجرة أم لا‏.‏ ‏(‏خ‏)‏‏:‏ كحارس ولو حمامياً الخ‏.‏ ابن عبد البر‏:‏ كلا القولين معمول به على حسب الاجتهاد، ابن يونس‏:‏ روى محمد إن نام حارس بيت فسرق ما فيه لم يضمنه وله أجره، وكذلك حارس النخل قال محمد‏:‏ لا يضمن جميع الحراس إلا بتعد كان ما يحرسونه طعاماً أو غيره‏.‏ ابن عرفة‏:‏ قوله لا ضمان عليه في نومه يجب تقييده بكونه في وقت نومه المعتاد له لا في نومه في وقت حاجة العسس والحرس‏.‏ وفي البرزلي عن ابن أبي زيد فيمن اكترى مخزناً للطعام وصاحبها ساكن فيها لا ضمان عليه في الطعام إذا ذهب‏.‏ الشعبي‏:‏ من اكترى بيتاً في داره أو حيث يسكن لخزن الطعام فضاع كله أو بعضه لا شيء على صاحب البيت ولا يمين إن كان صالحاً وإن كان متهماً حلف‏.‏

قلت‏:‏ لأنه وديعة بأجرة وأخذ الأجرة لا يخرجه عن الأمانة‏.‏ وفي البرزلي أيضاً قبل هذا‏:‏ إن شرط الضمان على الحراس لا يلزم ولهم أجر مثلهم فيما لا ضمان عليه وتأمله مع ما في اليزناسني عن ‏(‏تت‏)‏ أن العرف الآن ضمان الحراس لأنهم إنما يستأجرون على ذلك اه‏.‏ لأن العرف غايته أن يكون كالشرط والشرط بالصراحة لا ضمان فيه‏.‏

تنبيهات‏:‏

الأول‏:‏ قال البرزلي‏:‏ حارس الطعام إذا استخلف غيره فالصواب ضمانه إلا أن يستخلف لضرورة قوياً مثله على الحرس‏.‏

الثاني‏:‏ جزم ابن رحال في تضمين الصناع بأن حارس الفندق وحارس الحوانيت بالليل ضامن قال‏:‏ وكذا حارس الطعام في المطمر وهو المسمى بالمراس قلت‏:‏ وما قاله من ضمان حارس الفندق والسوق والمطمر ظاهر لأن كلاً منهم حارس لغير منحصر ولا مخصوص‏.‏ ألا ترى أن صاحب الفندق نصب نفسه لحراسة أمتعة كل من دخل إليه ووضع أمتعته فيه كانت مما يغاب عليه أم لا‏.‏ فهو فيما لا يغاب عليه بمنزلة الراعي المشترك، وقد جرى العمل بتضمينه وفيما يغاب عليه كالسمسار والعمل بتضمينه أيضاً، وكذا البيات في السوق نصب نفسه لحراسة أمتعة كل من اكترى حانوتاً في ذلك المحل ووضع أمتعته فيه أيّاً كان طلع لهذا الحانوت في هذا الشهر أو السنة أو غيرهما، وحارس المطمر كذلك نصب نفسه لكل من يخزن الطعام في ذلك المحل وعلى قياسه يقال‏:‏ حارس الحمام كذلك لأن العادة عندنا اليوم أن مكتري الحمام يؤاجر أجيراً تحته يقبض أجرة الداخلين للاغتسال ويحرس ثياب النساء والرجال ناصباً نفسه لذلك وهم مخصوصين ولا منحصرين، ولذا قال المتيطي عن بعض الشيوخ ما في المدونة‏:‏ من عدم الضمان على حارس ثياب الحمام لا يقتضي سقوط الضمان عن مكتري الحمام لأن أجير الصانع لا يضمن ويضمن الصانع وصاحب الحمام في حكم الصانع لأن المقصود منه التنظيف والاغتسال فيضمن فيما لا يستغنى عنه على الائتمان عليه، كما قال ابن حبيب في الطحان‏:‏ يضمن القمح وظرفه إلا أن يطحنه بحضرة صاحبه أو يكون كالحمال يضمن الطعام لأنه مما جرت العادة بسرعة الأيدي إليه وكذلك صاحب الحمام جرت العادة بجنايته على ثياب الناس فيضمنها اه‏.‏ وقد علمت أن الصواب هو الضمان في الجميع لما تقدم أن كلا القولين معمول به، وترجح الضمان بما عللوا به من جري العادة بالجناية وقد قال اليزناسني في السمسار‏:‏ أن ما قاله ابن عبد البر من ضمانه هو الذي ينبغي أن يعمل به في هذه الأزمنة التي قل فيها الصدق عند من يظن به فضلاً عن غيره اه‏.‏ وهذا التعليل جار في جميع ما ذكرناه‏.‏ وحكي أيضاً عن عياض أن الحكم بن نصر حكم بسوسة بتضمين صاحب الحمام قال القلشاني‏:‏ عدل عن المشهور إلى الحكم بالشاذ مراعاة للمصلحة العامة التي شهد لها الشرع بالاعتبار فمنع من بيع الحاضر للبادي ومن بيع التلقي على القول بأنه لحق المجلوب إليهم اه‏.‏ وفي هذا كله كفاية لمن اكتفى‏.‏

الثالث‏:‏ لو قال حارس الثياب أو الفندق دفعت ثيابك أو بهيمتك لمن شبهته بك أو قال‏:‏ رأيت من أخذها وتركته يأخذها لظني أنه أنت فإنه يضمن بلا خلاف، لأن غايته أن يكون مفرطاً أو مخطئاً والخطأ والعمد في أموال الناس سواء، والتفريط هو أن يفعل ما لا يفعله الناس كما في البرزلي وهو موجب للضمان كما تقدم‏.‏

فصل في القرض وهو السلف

بفتح القاف وقيل بكسرها، وفي الذخيرة هو من أعظم المعروف وأجل القرب وأصله الندب وقد يجب في مسغبة ونحوها‏.‏ وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ أنه قال‏:‏ ‏(‏قرض مرتين يعدل صدقة مرة‏)‏ خرَّجه البزار وصححه عبد الحق، وروي أن درهم القرض بثمانية عشرة ودرهم الصدقة بعشرة كذا رآه ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ مكتوباً على باب الجنة ليلة الإسراء، وسأل جبريل‏:‏ ‏(‏ما بال القرض أفضل من الصدقة‏)‏ فقال‏:‏ إن السائل يسأل وعنده كفاية، والمقترض لا يقترض إلا لحاجة، وهذا يعارض ما دل عليه حديث البراز من أن الصدقة أفضل‏.‏ وعرفه ابن عرفة بقوله‏:‏ القرض دفع متمول في عوض غير مخالف له لا عاجلاً تفضلاً فقط لا يوجب إمكان عارية لا تحل متعلقاً بذمته اه‏.‏ فخرج بقوله متمول غير المتمول كالخمر والخنزير ويدخل جلد الميتة المدبوغ، فإنه يجوز قرضه ليرد له مثله على الراجح لأنه متمول، وأما جلد الأضحية فلا يجوز قرضه لأنه بيع له، وبقوله في عوض دفعه هبة، وبقوله غير مخالف له البيع، وقوله لا عاجلاً عطف على مقدر أي حال كونه مؤجلاً لا عاجلاً أخرج به المبادلة المثلية فإنه يصدق الحد عليها لولا الزيادة‏.‏ وبقوله تفضلاً الخ‏.‏ قصد نفع نفسه أو أجنبي، وبقوله لا يوجب الخ قرض الجارية، وبقوله متعلقاً بذمته الخ‏.‏ نحو دفع شاة في أخرى بعينها لأجل ثم قال‏:‏ ولو قلنا مماثل بدل غير مخالف لم يشمل إلا ما شرط فيه المثل لامتناع مماثلة الشيء نفسه اه‏.‏ واعترض بأنه جعل جنسه الدفع مع أن القرض يوجد ويلزم بلا دفع لأنه يلزم بالقول وقد يجاب بأن المعنى عقد على دفع متمول الخ‏.‏

القَرْضُ جَائزٌ وفِعْلٌ جَارِي *** في كلِّ شَيْءٍ ما عَدَا الجَوَارِي

‏(‏القرض جائز‏)‏ بل مندوب إليه كما مر، وإنما عبر بالجواز لأجل الإخراج في قوله‏:‏ ما عدا الجواري ‏(‏وفعل جار في كل شيء‏)‏ من النقود والأطعمة والمقومات والمثليات والحيوان ‏(‏ما عدا الجواري‏)‏ فإنه لا يجوز قرضهن لغير محرم منهن ولغير امرأة وصغير لأن ذلك يؤدي إلى عارية الفروج، لأن المقترض لما كان متمكناً من رد المثل والعين بعد الغيبة عليه ما لم تتغير صفته كان رد العين في معنى عارية الفرج، لأنه يستمتع بها ما شاء ثم يردها بعينها ويقضى على المقرض بقبولها حيث لم تتغير صفتها، ولذلك انتفى المنع إذا كان المقترض محرماً منها كبنت أخيه أو كان امرأة أو صغيراً أو كانت الجارية لا يوطأ مثلها ولا تبلغ في مدة القرض سن من يوطأ مثلها، ومثل الجواري في المنع المذكور ما لا يمكن الوفاء بمثله كالدور والأرضين أو ما لا تحصره الصفة كتراب المعادن، وكذا الجزاف فإنه لا يجوز قرضه إلا ما قل كرغيف برغيف، وبالجملة فكل ما لا يصح السلم فيه كهذه الأمور لا يجوز قرضه‏.‏ ‏(‏خ‏)‏‏:‏ يجوز قرض ما يسلم فيه فقط إلا جارية تحل للمستقرض أي فإنه يجوز السلم فيها ولا يجوز قرضها، فإن وقع ونزل وأقرضت لمن يحل له وطؤها فإنها ترد إذا لم تفت بوطء ونحوه من غيبة عليها وإلا رد قيمتها، ومحل المنع في استقراض الجواري إذا لم يشترط عليه رد المثل وإلاَّ جاز عند ابن عبد الحكم والأكثر على أنه وفاق للمذهب حينئذ‏.‏

تنبيه‏:‏

لا يجوز تصديق القرض في كيل الطعام أو وزنه أو عده لئلا يجد المقترض نقصاً فيغتفره رجاء أن يؤخره عند الأجل، فإن وقع وصدقه لم يفسخ كما في ابن يونس ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وتصديق فبه كمبادلة ربويين ومقرض الخ‏.‏

وشَرْطُهُ أن لا يَجُرَّ مَنْفَعَه *** وَحَاكِمٌ بِذَاكَ كلٌّ مَنَعَه

‏(‏وشرطه‏)‏‏:‏ أي القرض ‏(‏أن لا يجر منفعة‏)‏ للمقرض أو الأجنبي فإن جرها لأحدهما أولهما امتنع كما قال ‏(‏و‏)‏ قرض ‏(‏حاكم بذاك‏)‏ أي بجر المنفعة للمقرض أو لأجنبي ولو قلت كسلف طعام عفن أو سايس أو مبلول أو رطب أو قديم أخذ سالم عنه أو يابس أو جديد ‏(‏كل منعه‏)‏ إن لم تكن مسغبة، فإن كانت والنفع للمقترض وحده بحيث لو باعه ربه أمكنه أن يشتري بثمنه في زمن الرد مثله أو أكثر فيجوز ‏(‏خ‏)‏‏:‏ إلا أن يقوم دليل على أن القصد نفع المقترض فقط في الجميع كفدان مستحصد خفت مؤنه عليه يحصده ويدرسه ويرد مثله، وإن كان النفع للمقرض والمقترض معاً كما لو كان بحيث لو باعه لم يمكنه أن يشتري به مثله، بل أقل، فالمشهور المنع‏.‏ وروى أبو الفرج‏:‏ الجواز‏.‏

قلت‏:‏ وينبغي التمسك به نظراً لحاجة المقترض، وقولي‏:‏ بشرط أخذ سالم الخ‏.‏ احترازاً مما إذا لم يشترط عليه ذلك ولا جرت به عادة، وإنما تطوع المقترض بقضاء السالم عن العفن ونحوه، فإنه جائز ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وقضاء قرض بمساو وأفضل صفة إلى قوله لا أزيد عدداً أو وزناً الخ‏.‏ وفي ابن يونس عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ أن رجلاً قال‏:‏ أسلفت لرجل سلفاً واشترطت عليه أفضل منه‏.‏ فقال ابن عمر‏:‏ ذلك الربا‏.‏ قال‏:‏ وأرى أن تمزق الصحيفة أي الرسم، فإن أعطاك مثل الذي أسلفته قبلته وإن أعطاك دونه فأخذته أجرت عليه، وإن أعطاك فوق ذلك طيبة بذلك نفسه فذلك شكر شكره لك ولك أجر ما أنظرته اه‏.‏

تنبيه‏:‏

من سلف بمنفعة مسألة السفتجة وهي البطاقة التي يكتب فيها الإحالة بالدين، وذلك أن يسلف الرجل مالاً في غير بلده لبعض أهله ويكتب القابض لنائبه أو يذهب معه بنفسه ليدفع عوضه في بلد المسلف وهي ممنوعة على المشهور، إلا أن يعم الخوف‏.‏ وروى ابن الجلاب عن مالك الكراهة، وأجازها ابن عبد الحكم مطلقاً عم الخوف أم لا‏.‏ وهذه المسألة تقع اليوم كثيراً في مناقلة الطعام فيكون للرجل وسق من طعام مثلاً في بلد فيسلفه لمن يدفعه له في بلده أو قريب منه فتجري فيها الأقوال المذكورة إن كان ذلك على وجه السلف لا على وجه المبادلة والبيع، وحينئذ فلا يشوش على الناس بالمشهور إذ لهم مستند في جواز ذلك، ولا ينكر على الإنسان في فعل مختلف فيه كما مرَّ في بياض الأشجار في المساقاة وأوائل الإجارة والمزارعة والله أعلم‏.‏ وكذا اختلف في ثمن الجاه فمن قائل بالتحريم، ومن قائل بالكراهة بإطلاق، ومن مفصل بين أن يكون ذو الجاه يحتاج إلى نفقة وتعب وسفر فأخذ مثل أجره فذلك جائز وإلاَّ حرم‏.‏ وهذا هو الحق ولكن لا ينكر على دافعه ولا على آخذه مطلقاً لأنه مختلف فيه فلا ينكر على من دفعه لمن يتكلم في أمره مع السلطان ونحوه كما هي عادة الناس اليوم، ثم المشهور أن القرض يملك بالقول فيصير مالاً من أموال المقترض ويدخل في ضمانه بالعقد كغيره من العقود الصحيحة ما لم يكن فيه حق توفية وإلاَّ فلا يدخل في ضمانه إلا بالتوفية وإذا لزم بالقول فإنه يقضي له به ويبقى بيده إلى الأجل أو قدر ما يرى في العادة أنه قد انتفع به إن لم يضربا أجلاً كما قال‏:‏

وليس باللازم أنْ يُرَدَّا *** قبلَ انقِضَاءِ أَجْلٍ قد حُدَّا

‏(‏وليس باللازم‏)‏ للمقترض ‏(‏أن يردا‏)‏ القرض لمقرضه ‏(‏قبل انقضاء أجل قد حدا‏)‏ بنص أو عادة لأن العادة كالشرط ‏(‏خ‏)‏ وملك بالقول ولم يلزم رده إلا بشرط أو عادة الخ‏.‏

وإن رأى مسَلِّفٌ تَعْجيلَهُ *** أُلْزِمَ مَنْ سَلَّفَهُ قُبَولَهُ

‏(‏وإن رأى مسلف‏)‏ بفتح اللام ‏(‏تعجيله‏)‏ أي السلف لربه قبل أجله ‏(‏ألزم من سلفه قبوله‏)‏ كان عيناً أو غيرها، ولو نفس المال المقترض بالفتح إن لم يتغير أو تغير بزيادة، فإن تغير بنقص خير وهذا إذا قضاه بمحل قبضه وإلاَّ فلا يلزم ربه أخذه لما فيه من زيادة الكلفة عليه إن كان غير عين، وإلاَّ لزمه قبوله إن كان المحل مأموناً ‏(‏خ‏)‏‏:‏ كأخذه بغير محله إلا العين‏.‏

تنبيهات‏:‏

الأول‏:‏ إذا تنازعا في اشتراط الأجل فقال المقرض‏:‏ على الحلول، وخالفه المقترض فالقول للمقترض على المعتمد فإن اختلفا في قدر مدة تأجيله فالقول للمقرض، فإن التزم المتسلف تصديق المسلف في عدم القضاء بلا يمين، فذكر ابن ناجي أن الذي عليه العمل هو أعمال الشرط فلا يحلف‏.‏

الثاني‏:‏ لو جاء المديان ببعض الحق وقال ربه‏:‏ لا أقبل إلا كله فقال ابن القاسم‏:‏ إن كان الغريم موسراً لم يجبر رب المال على أخذ ما جاء به، وإن كان معسراً أجبر وقيل يجبر ولو موسراً، وظاهر الجزولي أنه الراجح‏.‏

الثالث‏:‏ يصح السلف على شرط على شرط أن يرده من مال بعينه وأخذه بعضهم من قصر سلف اليتيم على ما في ملكه يوم السلف كما في ابن عرفة في السلم وأوائل القرض‏.‏

باب في العتق وما يتصل به

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ ‏(‏من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً من أعضائه من النار حتى فرجه بفرجه‏)‏‏.‏ ابن عرفة‏:‏ العتق رفع ملك حقيقي لا بسباء محرم عن آدمي حي فخرج بملك رفع غير الملك كرفع الحكم بالنسخ مثلاً، وخرج بحقيقي استحقاق عبد بحرية لأن المستحق من يده ليس بمالك في الحقيقة، وبقوله‏:‏ لا بسباء محرم فداء المسلم من حرب سباه أو ممن صار له منه لأن ملك الحربي له سباء محرم وهو عطف على مقدر أي بسباء حلال لا بسباء محرم، وبقوله‏:‏ حي الخ‏.‏ رفعه عند الموت وأورد عليه أن قوله‏:‏ لا بسباء محرم مستغنى عنه بقوله‏:‏ ملك حقيقي لأن محترزه ليس فيه ملك حقيقي، وأورد عليه أيضاً أنه غير مانع لصدقه ببيع العبد فإنه رفع ملك أيضاً‏.‏ وقد يجاب عن هذا الثاني بأن ملك في سياق النفي فيعم ولا يتحقق عمومه إلا برفع كل ملك والبيع فيه رفع ملك البائع وثبوت ملك المشتري‏.‏

العِتْقُ بالتدْبيرِ وَالْوَصاةِ *** وبالْكِتَابَةِ وبَالبَيّنَاتِ

‏(‏العتق‏)‏ على أربعة أوجه ‏(‏بالتدبير‏)‏ وهو كما في ‏(‏خ‏)‏ تعليق مكلف رشيد وان زوجة في زائد الثلث العتق بموته على غير وجه الوصية لا على وجه الوصية فقوله‏:‏ العتق معمول تعليق وهو على حذف مضاف أي‏:‏ تعليقة نفوذ العتق لأن المعلق إنما هو نفوذ العتق، وأما إنشاء العتق فهو من الآن فالتدبير تعليق على وجه الانبرام واللزوم، والوصية تعليق على وجه الانحلال والرجوع‏.‏ والتعاليق ثلاثة‏:‏ معنوي ولفظي ونحوي، وكل واحد أخص مما قبله، فالأول يشمل أم الولد لأن حريتها معلقة على موت سيدها ولا لفظ في ذلك التعليق، واللفظي يشمل النحوي، وهو الذي لا يكون إلا بأداة الشرط ويشمل نحو‏:‏ أنت مدبر ودبرتك ونحوه لأنه تعليق بغير أداة الشرط، واللفظي هو مراد الفقهاء في هذا الباب، وعليه فإذا أتى بأداة الشرط فقال‏:‏ إن كلمت فلاناً أو دخلت الدار فأنت حر بعد موتي، أو فأنت مدبر فدخل الدار أو كلم فلاناً فذلك تدبير لازم سواء نوى التدبير أم لا‏.‏ لأنه حانث في يمينه وبوقوع المعلق عليه لزمه ذلك ولا ينفذ إلا بعد موته لأنه شرط ذلك في يمينه، وإن لم يأت بأداة الشرط فتارة يأتي بألفاظ صريحة في التدبير كقوله‏:‏ دبرتك وأنت مدبر أو حر عن دبر مني فإنه يكون تدبيراً لازماً لا رجوع فيه، ولو لم ينو لزومه لأن الصيغة الصريحة في بابها لا تنصرف لغيرها إلا ببينة أو قرينة كقوله‏:‏ ما لم أغير ذلك أو أرجع عنه، فإن نوى بذلك عدم اللزوم وأن له الرجوع والانحلال، فظاهر التوضيح أنه ينصرف للوصية وأحرى، إذا أتى بالقرينة الدالة على عدم اللزوم، وتارة يأتي بألفاظ صريحة في الوصية كقوله‏:‏ إن مت من مرضي أو سفري هذا فأنت حر أو مدبر فذلك وصية غير لازمة، وله الرجوع فيه لأنه لما علقه على الموت من ذلك المرض أو السفر وقد ينشأ عنهما موت وقد لا ينشأ، وذلك يقتضي أن له الرجوع وإن لم يمت في ذلك المرض أو السفر كان ذلك قرينة صارفة عن التدبير إلا أن ينوي لزوم الحرية والتدبير فلا رجوع له وتنصرف للتدبير حنيئذ، وكذا إذا قال في صحته‏:‏ أنت حر بعد موتى أو يوم أموت فهو وصية لأن ذلك من صيغتها الصريحة حتى ينوي بذلك اللزوم، أو يأتي بقرينة فيقول مثلاً‏:‏ هو حر بعد موتي لا يغير عن ذلك فينصرف للتدبير‏.‏

وقد تحصل أن العتق بعد الموت إذا التزمه بنية اللزوم وعدم الرجوع أو أتى بقرينة فهو التدبير ولو كان بصيغة الوصية الصريحة، وإن كان التزمه بعد الموت أيضاً بنية الرجوع فيه والانحلال أو أتى بقرينة فهو الوصية، ولو كان بصريح التدبير فإن لم تكن له نية ولا قرينة فإن كان بصريح التدبير فتدبير وبصريح الوصية فوصية وإنما كان ينصرف صريح التدبير للوصية بالنية والقرينة وبالعكس لتقارب هذين البابين، وهذا إذا لم يعلقه بالأداة على شيء وحنث فيه وإلاَّ فليزمه بالحنث، ولو نوى عدم اللزوم مؤاخذة له بظاهر لفظه المخالف لنيته كما مرَّ أول التقرير، وأما لو قال‏:‏ هو حر بعد موتي بيوم أو شهر أو أكثر فهو وصية لمخالفته للتدبير بكونه غير معلق على الموت إلا أن يريد التدبير، وبهذا كله يظهر الفرق بين الوصية والتدبير وإن كان كل منهما لا ينفذ إلا من الثلث‏.‏ قال سحنون لابن القاسم‏:‏ أي شيء هذا التدبير في قول مالك‏؟‏ فقال‏:‏ هو إيجاب أوجبه السيد على نفسه والإيجاب عند مالك لازم، ثم قال‏:‏ وما الوصية‏؟‏ فقال‏:‏ إنها عدة، والعدة ليست بإيجاب والتدبير إيجاب والإيجاب ليس بعده اه‏.‏ وقال فيمن قال‏:‏ أنت حر بعد موتي يسأل‏؟‏ فإن نوى التدبير أو الوصية فإنه يصدق ويلزمه ما نوى اه‏.‏ ولأجل أن العتق في التدبير لازم لا رجوع فيه استتبع الأولاد وكانوا مدبرين كأمهم بخلاف الوصية بالعتق فإن الأولاد لا يتبعون أمهم كما قاله ابن القصار‏.‏ وحكى عليه الإجماع وقول ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وإن زوجة في زائد ثلثها الخ‏.‏ إنما كان يلزمها ولو في زائد ثلثها بل ولو في عبد لا تملك غيره‏.‏ مع أنها محجر عليها في زائد الثلث، لأن الزوج لا ضرر عليه لأنه وإن كان الآن زائداً على الثلث فلا ينفذ بعد الموت إلا منه فلا ضرر عليه‏.‏

تنبيه‏:‏

اعترض ابن عرفة تعريف ابن الحاجب للتدبير الذي هو كتعريف ‏(‏خ‏)‏ المتقدم وقال‏:‏ إنه حد تركيبي وهو وقف معرفة المعرف على معرفة حقيقة أخرى أجنبية عنه ليست أعم ولا أخص وهي هنا وصية، فإن الوصية تفتقر إلى حدها أيضاً وهي مباينة للتدبير فلا يعرف حينئذ التدبير إلا بمعرفة الوصية، والحد التركيبي يجتنب في الحدود‏.‏ ويجاب عن ذلك بأن ابن الحاجب أراد الوصف اللازم للوصية فكأنه قال‏:‏ التدبير تعليق على وجه اللزوم لا على وجه غير اللزوم‏.‏

‏(‏و‏)‏ ب ‏(‏الوصاة‏)‏ بفتح الواو أي الوصية كقوله‏:‏ إن مت من مرضي أو سفري هذا فأنت حر أو مدبر أو حر بعد موتي ولم يرد به التدبير أو حر بعد موتي بيومٍ أو شهر ولم ينو به التدبير كما مرَّ‏.‏ ‏(‏وبالكتابة‏)‏ وهي كما لابن عرفة عتق على مال مؤجل من العبد موقوف على أدائه فيخرج ما على مال معجل، ولذا قال فيها‏:‏ لا تجوز كتابة أم الولد ويجوز عتقها على مال معجل، ويخرج عتق العبد على مال مؤجل على أجنبي الخ‏.‏ فقوله‏:‏ على مال أخرج به العتق على غير مال سواء كان بتلا أو لأجل، وقوله‏:‏ مؤجل أخرج به القطاعة، وقوله‏:‏ موقوف على أدائه أخرج به العتق المعجل على أداء مال إلى أجل، فإنه ليس بكتابة عرفاً، ولكن العتق لازم للسيد معجلاً ولزم المال للعبد معجلاً إن كان موسراً ويتبع به ديناً في ذمته إن كان معسراً‏.‏ قال ابن مرزوق‏:‏ والصواب أن يقول عقد يوجب عتقاً الخ لأنها سبب في العتق لا نفسه‏.‏ ‏(‏وبالبتات‏)‏ وهو العتق الناجز على غير مال كما مر‏.‏

وصيغته‏:‏ إما صريحة وهي التي لا تنصرف عن العتق بالنية كقوله‏:‏ أعتقتك أو حررتك أو أنت حر أو فككت رقبتك أو أنت مفكوك الرقبة، فإنه لا يصدق أنه أراد بهذه الصيغ ونحوها غير العتق فإن كانت هناك قرينة لفظية كقوله‏:‏ أنت حر اليوم من هذا العمل وقال‏:‏ لم أرد عتقه صدق بيمينه ثم لا يستعمله في ذلك اليوم كما قال في المدونة، وكذا لو قال‏:‏ أنت حر اليوم فقط وقال‏:‏ لم أرد عتقاً وإنما أردت من عمل خاص فإنه يصدق بيمينه أو قرينة معنوية كما لو رآه صنع شيئاً فأعجبه فقال‏:‏ ما أنت إلا حر، أو قال له لما عصاه‏:‏ تعال يا حر، وقال‏:‏ لم أرد بذلك عتقاً وإنما أردت في الأول أنه حر الفعل، وفي الثاني أنه في معصيتي شبيه بالحر فإنه يصدق بيمينه في الفتوى والقضاء‏.‏ وإما كناية وهي قسمان‏:‏ ظاهرة كقوله‏:‏ لا سبيل لي عليك أو لا ملك لي عليك ونحوها، فإن ذلك ظاهر في العتق ولكن ينصرف عنه بالنية ونحوها، فإذا قال السيد ذلك لعبده جواباً لكلام وقع من العبد لا يليق بالسيد، وقال‏:‏ لم أرد بذلك عتقاً صدق بيمينه فإن قال ذلك في غير جواب أصلاً أو جواباً لكلام يليق بالسيد ولم يعلم هل كان جواباً لكلام أم لا عتق عليه، وإما كناية خفية كقوله له‏:‏ اسقني ماء أو اذهب أو اغرب فإنه لا يلزمني شيء إلا إذا قال‏:‏ نويت به العتق والعزب البعد فتبين أن القرينة يعمل بها في الصريح والكناية الظاهرة، وأما في الخفية فإنه لا يلزمه شيء إلا بالنية‏.‏

وليْسَ في التّدْبير والتبْتِيل *** إلى الرُّجُوع بَعْدُ مِنْ سبِيلِ

‏(‏وليس في التدبير و‏)‏ لا في ‏(‏التبتيل إلى الرجوع بعد‏)‏ أي بعد عقدهما بالصيغ المتقدمة فيهما ‏(‏من سبيل‏)‏ هو اسم ليس‏.‏ ومن زائدة، والتقدير‏:‏ ليس هناك سبيل إلى الرجوع في التدبير والتبتيل بعد عقدهما كما له الرجوع في الوصية بعد عقدها، بل هما نافذان لازمان لا يقبل من السيد رجوع فيهما‏.‏ نعم يبطلان معاً بدين محيط سابق عليهما لأنهما من التبرع وهو باطل بالدين المحيط ‏(‏خ‏)‏‏:‏ للغريم منع من أحاط الدين بماله من تبرعه الخ‏.‏ اللاحق فإنه لا يبطل التبتيل ويبطل التدبير إن مات السيد لا إن كان حياً كما قال الأجهوري‏:‏

ويبطل التدبير دين سبقا *** إن سيد حي وإلا مطلقا

أي‏:‏ وإلا يكن حياً أبطله مطلقاً سابقاً أو لاحقاً‏.‏

وَالعِتْقُ بالمالِ هو المُكاتَبَهْ *** وما لَهُ بالجَبْرِ مِنْ مُطَالَبَهْ

‏(‏والعتق بالمال‏)‏ المؤجل ‏(‏هو المكاتبة‏)‏ فإن وقع العتق بالمال على السكت ولم يشترطا تنجيمه ولا تأجيله وجب تنجيمه على قد ما يرى من كتابة مثله وقدر قوته، وإن كره سيده لأن عرف الناس في الكتابة أنها منجمة فيحملان عليه عند السكت‏.‏ قال في المدونة‏:‏ فإن شرطا تعجيله فهي قطاعة كما مر في حد ابن عرفة‏.‏ ‏(‏وما له بالجبر من مطالبة‏)‏ أي ليس للسيد أن يجبر عبده على الكتابة ولا للعبد أن يجبر سيده عليها، وإنما تصح برضاهما معاً على المشهور، لكن إذا طلبها العبد من سيده ندب للسيد أن يجيبه إليها، وإذا طلبها السيد جاز للعبد القبول وعدمه ‏(‏خ‏)‏ ندب مكاتبة أهل التبرع وحط جزء آخر، ولم يجبر العبد عليها، والمأخوذ منها الجبر الخ‏.‏ فما نافية وضمير له لواحد منهما لتقدم ذكرهما باللزوم، إذ العتق يستلزم معتقاً بالكسر ومعتقاً بالفتح، و‏(‏من‏)‏ زائدة لا تتعلق بشيء، ومطالبة مبتدأ خبره له وبالجبر يتعلق بمطالبة أي ليس لواحد من السيد والعبد مطالبة الآخر بالجبر على الكتابة‏.‏

ولما كان الموجب للعتق أسباباً أربعة‏:‏ أولها‏:‏ العتق، باللفظ وتقدم، وثانيها‏:‏ العتق بالقرابة ولم يتكلم الناظم عليه، وأشار ‏(‏خ‏)‏ بقوله‏:‏ وعتق بنفس الملك الأبوان وإن علوا والولد وإن سفل كبنت وأخ وأخت مطلقاً الخ‏.‏ وثالثها‏:‏ العتق بالمثلة وسيأتي في قوله‏:‏ وعتق من سيده يمثل‏.‏ الخ‏.‏ ورابعها‏:‏ العتق بالسراية وله وجهان أحدهما‏:‏ أن يكون يملك جميع العبد ولو بشائبة كأم ولده فيعتق جزأ منه كثلثه أو ربعه أو يده أو رجله أو شعره أو ريقه وجماله فإنه يكمل عليه ويعتق جميعه كما قال‏:‏

وَمُعْتِقٌ بِالجُزْءِ مِنْ عَبْدٍ لَهْ *** مُطَالَبٌ بالحُكْمِ أن يكْمِلَهْ

‏(‏ومعتق للجزء من عبد له‏)‏ ولو ذا شائبة كمدبره ‏(‏مطالب بالحكم أن يكمله‏)‏ لأنه كمن قال لزوجته‏:‏ يدك طالق أو شعرك طالق فإنه يلزمه الطلاق في جميعها، وظاهره كان المعتق موسراً أو معسراً وهو كذلك، وظاهره كان المعتق مسلماً أو ذمياً وليس كذلك، فإن الذمي إذا أعتق بعض عبده الذمي فإنه لا يكمل عليه‏.‏ وكذا الزوجة والمريض في زائد الثلث وفهم من قوله بالحكم إنه لا يكمل عليه بنفس عتق الجزء بل لا بد من حكم الحاكم بالتكميل وهو كذلك على المشهور، وعليه فأحكام الرق قبل الحكم جارية عليه فلا يحد قاذفه ولا يقتص من قاتله الحر المسلم ويرثه سيده دون ورثته وهكذا‏.‏ والوجه الثاني‏:‏ وهو أن يكون العبد مشتركاً بينه وبين غيره فيعتق منه حظه كله أو جزء من حظه، فإنه يكمل عليه حظه ويقوم عليه حظ شريكه ويدفع قيمته للشريك ويعتق جميعه كما قال‏:‏

وحَظُّ مَنْ شَارَكَهُ يَقُوْمُ *** عليه في اليُسْرِ وعِتْقاً يَلْزَمُ

‏(‏وحظ من شاركه يقوم عليه في‏)‏ حال ‏(‏اليسر وعتقا يلزم‏)‏ ولتقويمه شروط‏:‏

أولها‏:‏ أن يكون المعتق لجزئه موسراً كما نبه عليه الناظم بقوله‏:‏ في اليسر أي بأن يكون موسراً يوم الحكم بقيمة حظ شريكه بما يباع على المفلس، فإن كان موسراً ببعضها عتق منه بقدر ذلك البعض، فإن لم يكن موسراً بكلها ولا ببعضها لم يقوم عليه شيء ويعلم عسره بأن لا يكون له مال ظاهر، ويسئل عنه جيرانه ومن يعرفه فإن لم يعلموا له مالاً حلف ولا يسجن، فإن لم يحكم عليه بالتقويم وهو مليء حتى مات أو فلس لم يعتق منه إلا ما كان أعتقه ولا يقوم عليه حظ شريكه كما رواه أشهب‏.‏

ثانيها‏:‏ أن يدفع القيمة بالفعل فإن قوم عليه ولم يدفعها حتى مات العبد ورثه سيده دون ورثته فدفع القيمة بالفعل شرط في نفوذ العتق وتمامه لا في وجوب الحكم بالتقويم، فإذا توفرت شروط التقويم وجب الحكم بتقويمه وعتقه، وإذا حكم فلا ينفذ العتق ويتم إلا بدفعها، فإن أبى شريكه من قبضها قبضها الحاكم‏.‏ ابن الحاجب‏:‏ ولا يعتق إلا بعد التقويم ودفع القيمة على أظهر الروايتين‏.‏

ثالثها‏:‏ أن يعتق الجزء باختياره لا إن أعتق عليه بغير اختياره كما لو ورث جزءاً من أبيه مثلاً فإنه لا يقوم عليه ما لم يرثه، ولو وهب له جزء من أبيه أو اشتراه قوّم عليه حصة شريكه لأنه متسبب بقبول الهبة والشراء‏.‏

رابعها‏:‏ أن يكون السيد مسلماً أو العبد لا إن كان الاثنين كافرين‏.‏

خامسها‏:‏ أن يبتدأ العتق لا إن كان العبد حراً لبعض وقد أفاد ‏(‏خ‏)‏ هذه الشروط بقوله‏:‏ وبالحكم جميعه إن أعتق جزءاً والباقي له كان بقي لغيره إن دفع القيمة حال كونها معتبرة يوم الحكم والمعتق مسلماً أو العبد وأيسر بها أو ببعضها فمقابلها وفضلت عن متروك مفلس وحصل عتقه باختياره لا بإرث، وابتدأ العتق لا إن كان حر البعض الخ‏.‏ والشروط راجعة لما بعد الكاف من قوله كان بقي الخ‏.‏

ثم أشار إلى العتق بالمثلة فقال‏:‏

وَعِتْقُ مَنْ سَيِّدُهُ يُمثِّلُ *** بهِ إذَا ما شَانَهُ يُبَتَّلُ

‏(‏وعتق من‏)‏ أي العبد الذي ‏(‏سيده يمثل به‏)‏ عمداً ‏(‏إذا ما‏)‏ زائدة ‏(‏شانه‏)‏ أي عابه ذلك التمثيل المفهوم من قوله يمثل ‏(‏يبتل‏)‏ أي ينجز عتقه عليه بالحكم لا بنفس التمثيل ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وبالحكم إن عمد السيد لشين برقيقه ولو ذا شائبة كأم ولده ومدبر مدبره أو رقيق رقيقه أو رقيق ولده الصغير وهو غير سفيه ولا عبد ولا ذمي ولا مدين ولا زوجة ولا مريض في زائد الثلث، وإلاَّ فلا يعتق كما إذا لم يتعمدها والمثلة كخصاء وقلع ظفر وقطع بعض أذن أو جسد أو سن أو سحلها أي بردها بالمبرد أو خرم أنف أو حلق شعر أمة رفيعة أو لحية تاجر الخ‏.‏ والمعتمد أن حلق الشعر ولحية التاجر ليسا بمثلة لأن الشعر يعود كما في الزرقاني ونحوه في الشامل قائلاً‏:‏ ولا مثلة بحلق لحية عبد وإن تاجراً أو رأس أمة وإن رفيعة عند مالك لا عند المدنيين كابن الماجشون فهو مثلة‏.‏ واختار اللخمي القول الأول إن عاد الشعر، والثاني إن لم يعد الخ‏.‏ وبه يسقط اعتراض الشيخ بناني والوسم بالنار ليس بمثلة إلا أن يكتب بها في جبهته آبق ونحوه‏.‏

تنبيه‏:‏

إذا مثل الزوج بزوجته فلها التطليق كما مرّ في ضرر الزوجين‏.‏

وَمَنْ بِمَالٍ عِتْقُهُ مُنَجَّمِ *** يَكُونُ عَبْداً مَعْ بَقَاءِ دِرْهَمِ

‏(‏ومن‏)‏ مبتدأ ‏(‏بمال عتقه‏)‏ مبتدأ ثان والمجرور قبله خبره ‏(‏منجم‏)‏ أي مؤجل يدفعه شيئاً فشيئاً فهو بالخفض نعت لمال، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره صلة من وهي واقعة على العبد المكاتب ‏(‏يكون عبداً مع بقاء درهم‏)‏ عليه من كتابته، والجملة خبر الموصول ولا مفهوم لقوله‏:‏ منجم بل كذلك إذا قاطعه على مال حال وعجز عن أداء بعضه ولو درهماً فإنه يرق، وهذا إن اتفق السيد والعبد على التعجيز ولم يكن للعبد مال ظاهر وإلاَّ فليس له العجز على المشهور، ولو اتفقا عليه فإن اختلفا فقال السيد‏:‏ أردت التعجيز وامتنع العبد أو بالعكس فلا بد من نظر الحاكم في ذلك قاله في التوضيح‏.‏

والقوْلُ للسَّيِّدِ في مالٍ حَصَلْ *** وَالخُلْفُ في قَدْرٍ وَجَنسٍ وَأجَلْ

‏(‏والقول للسيد‏)‏ بيمين كما في ابن عرفة‏:‏ إذا اختلف مع عبده ‏(‏في‏)‏ نفي أداء ‏(‏ مال حصل‏)‏ في ذمة العبد بسبب الكتابة فقال العبد‏:‏ أديته كله أو بعضه، وأنكر السيد ذلك فإن نكل حلف المكاتب وعتق ومحل اليمين ما لم يشترط السيد في صلب عقد الكتابة التصديق بلا يمين، وإلاَّ فيعمل بشرطه كما في الزرقاني عن الجزيري، وتقدم نحوه في القرض‏.‏ وكذا القول للسيد أيضاً في نفي الكتابة إذا ادعاها العبد وأنكرها السيد، لكن بلا يمين لأنها من دعوى العتق ‏(‏خ‏)‏‏:‏ والقول للسيد في نفي الكتابة والأداء‏.‏ ‏(‏والخلف‏)‏ أي الخلاف ثابت في اختلافهما ‏(‏في قدر‏)‏ فقال السيد‏:‏ بمائة، وقال العبد‏:‏ بخمسين، فإن القول للعبد بيمين على المشهور إن أشبه وحده أو مع السيد، فإن أشبه السيد وحده فقوله بيمين فإن لم يشبها حلفا ووجبت كتابة المثل كاختلاف المتبايعين بعد الفوت والكتابة هنا فوت ونكولهما كحلفهما ويقضي للحالف على الناكل‏.‏ ‏(‏وجنس‏)‏ فقال السيد‏:‏ كاتبتك بثياب من نعتها كذا‏.‏ وقال العبد‏:‏ بل كاتبتني بحيوان من نعته كذا، والمشهور وهو الذي عليه اللخمي والمازري أنهما يتحالفان وعلى العبد كتابة مثله في العين‏.‏ ‏(‏وأجل‏)‏ هو شامل لاختلافهما في وجوده وعدمه أو في قدره أو في حلوله، أما الأول فالقول قول المكاتب أنها منجمة ما لم يأت من كثرة النجوم بما لا يشبه، وكذا يصدق المكاتب أيضاً إذا اختلفا في قدره أو حلوله ‏(‏ح‏)‏‏:‏ لا اختلافهما في القدر والأجل والجنس يعني فإن القول لا يكون للسيد في هذه الثلاث، وإنما القول للعبد في الأولين في كلامه على التفصيل المذكور، وفي الثالث يتحالفان كما مرَّ فإن أقام كل البينة على ما يدعيه قضى بأعدلهما، فإن تكافأتا سقطتا وجرى ذلك على ما مرَّ إلا إن شهدت إحداهما أن الكتابة بمائة وشهدت الأخرى أنها بتسعين قضى ببينة السيد لأنها زادت كما في المدونة‏.‏

وَحُكْمُهُ كَالحُرِّ في التَّصَرُّفِ *** ومَنْعُ رَهْنٍ وَضَمانٍ اقْتُفِي

‏(‏وحكمه‏)‏ أي المكاتب ‏(‏كالحر في التصرف‏)‏ فله البيع والشراء وغير ذلك من المعاوضات بلا إذن من سيده لا إن تصرف بغير معاوضة فلا يمضي كالعتق والهبة والصدقة وغير ذلك من التبرعات‏.‏ ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وللمكاتب بلا إذن بيع واشتراء ومشاركة ومقارضة ومكاتبة عبده واستخلاف عاقد لأمته وإسلامها أو فداؤها إن جنت بالنظر وسفر لا يحل فيه نجم وإقرار في رقبته أي في ذمته بدين ونحوه، وأحرى إقراره بما يوجب حداً عليه، وله إسقاط شفعته لا عتق وإن قريباً وهبة وصدقة وتزويج وإقرار بجناية خطأ وسفر بعد إلا بإذن من سيده ‏(‏ومنع رهن وضمان اقتفي‏)‏ في الكتابة‏.‏ فلا يجوز أن يكاتبه على أن يأخذ رهناً من غير مكاتبه ليستوفي منه الكتابة إن عجز العبد عنها أو مات لأن الرهن كالحمالة، والحمالة في الكتابة لا تجوز لأن الكتابة منجمة، والضامن يؤدي ما حل منها وقد يعجز العبد عن أداء باقيها فيأخذ السيد ما كان أخذه من الضامن باطلاً ولهذا إذا أعطاه الضامن على أن يعجل عتقه من الآن أو كانت الكتابة نجماً واحداً‏.‏ وقال الضامن‏:‏ هو علي إن عجز صح ذلك وجاز كما في الشامل وغيره، فإن وقع ونزل وأعطاه ضامناً أو رهناً في حالة عدم الجواز صحت الكتابة وبطل الرهن والحميل كما في ابن ناجي‏.‏ ‏(‏خ‏)‏‏:‏ صح الضمان في دين لازم أو آيل إلى اللزوم لا كتابة الخ‏.‏ أي‏:‏ فإنها ليست بدين لازم ولا آيل إليه‏.‏ ألا ترى إن مات المكاتب وعليه دين لم يحاصص السيد مع الغرماء، وإن عجز كانت الديون في ذمته يتبع بها إن عتق يوماً إن لم يبطلها عنه سيد أو سلطان ولا يدخلون مع السيد في رقبته، وقد قالوا يلحق بالكتابة سبعة أشياء وهي‏:‏ الصرف والقصاص والحدود والتعازير ومبيع بعينه وعمل أجير يعمل بنفقته وحمولة دابة بعينها، فوجه المنع في الصرف هو أن يؤدي للتأخير، ووجهه في القصاص والحدود والتعازير أنه لا يمكن استيفاؤها من الضامن عند هروب المضمون، ووجهه في المبيع بعينه أنه إن كان المعنى أن الضامن يأتي به عند تعذره بهلاك ونحوه، فهذا غير ممكن‏.‏ وإن كان المعنى أنه يضمن قيمته عند تعذره فذلك جائز، لكنه لم يصدق عليه أنه تحمل بعينه بل يقيمته ووجهه في الأجير يعمل بنفقته أي أكله أنه إن كان المعنى أن الضامن يقوم مقام الأجير في العمل، والأكل عند تعذره بمرض ونحوه، فهذا الضامن قد يقل عمله ويكثر، وكذا أكله قد يقل ويكثر ففيه خطر مع أنه دخل على استيفاء العمل من شخص معين، وإن كان المعنى أن الضامن يأتي به ولو هلك أو تروغ، فهذا لا يمكن وهو وجه المنع في حمولة دابة بعينها، وبالجملة فالضمان شغل ذمة أخرى كما مرَّ، والمعينات لا تقبلها الذمم، وكذا الحدود ونحوها لأنها متعلقة بالأبدان وعن هذه الأمور احترز ‏(‏خ‏)‏ بقوله‏:‏ إن أمكن استيفاؤه من ضامنه الخ‏.‏ وبقوله شغل ذمة أخرى الخ‏.‏

باب في الرشد والأوصياء والحجر والوصية والإقرار والدين والفلس

ذكر في هذه الترجمة سبعة أبواب، ثم ميز بعضها من بعض بالفصول وبدأ ببيان الرشد فقال‏:‏

الرُّشْدُ حِفْظُ المَالِ مَعْ حُسْن النَّظَرْ *** وَبَعْضُهُمْ له الصَّلاَحُ مُعْتَبَرْ

‏(‏الرشد‏)‏ الذي يخرج به السفيه من الولاية هو ‏(‏حفظ المال مع حسن النظر‏)‏ في تنميته والتجر فيه ولا يشترط في ذلك صلاح الدين، فهو إذا كان فاسقاً متمرداً في المعاصي، وكان مع ذلك ضابطاً لماله يحسن تنميته والتجر فيه فقد استحق الإطلاق والخروج من الولاية، وأحرى أن لا يحجر عليه إن لم يكن مولى عليه كما يأتي في قوله‏:‏ وشارب الخمر إذا ما ثمرا الخ‏.‏ وما ذكره الناظم من اشتراط حسن النظر مع حفظ المال هو ظاهر المدونة قال فيها‏:‏ وصفة من يحجر عليه من الأحرار أن يكون يبذر ماله سرفاً في لذاته من الشراب والفسق ويسقط فيه سقوط من لا يعد المال شيئاً، وأما من أخذ ماله وأنماه وهو فاسق في حاله غير مبذر لماله فلا يحجز عليه، وإن كان له مال عند وصي قبضه اه‏.‏ فانظر إلى قولها‏:‏ وأنماه الخ‏.‏ هو ظاهر في اشتراط التنمية كما في ‏(‏ح‏)‏ وعلى اشتراطها درج في الشامل حيث قال‏:‏ وزال السفه برشد وهو حفظ المال وحسن تنميته وإن من غير جائز الشهادة على المشهور الخ‏.‏ فيكون قد درج على ظاهر المدونة من اشتراط التنمية، وعلى ظاهرها أيضاً عول ابن سلمون قائلاً‏:‏ وبه الحكم، ونحوه لابن مغيث قائلاً‏:‏ وعليه العمل، وقد علمت أن الناظم يتبع ما عليه عمل الحكام، وإن كان مخالفاً للمشهور، لأن العمل مقدم عليه فلا يعترض عليه بأن المشهور في الرشد إنما هو حفظ المال فقط، ولا يشترط معه حسن تنميته ولا صلاح دين كما هو ظاهر ‏(‏خ‏)‏ حيث قال‏:‏ إلى حفظ مال ذي الأب الخ‏.‏ واحترزت بقولي‏:‏ الذي يخرج به السفيه من الولاية الخ‏.‏ من الرشد الذي لا يحجر معه على صاحبه فإن اللخمي قد حكى الاتفاق على أن من لا يحسن التجر ويحسن الإمساك لا يحجر عليه الخ‏.‏ وعليه فالرشد رشدان رشد يخرج به من الولاية، وهو محل الخلاف المتقدم ورشد لا يستحق التحجير معه إن لم يكن مولى عليه وهو متفق عليه كذا في ‏(‏ح‏)‏ وضيح ‏(‏و‏)‏ قال ‏(‏بعضهم‏)‏ وهم المدنيون من أصحاب مالك ‏(‏له‏)‏ أي معه ‏(‏الصلاح‏)‏ في الدين ‏(‏معتبر‏)‏ زيادة على ما ذكر من حفظ المال وحسن التصرف فيه، فاللام في له بمعنى ‏(‏مع‏)‏ وقد حكاه في المغني عن بعضهم، والضمير لما ذكر كما قررنا، والجملة معمولة للقول المقدر، ويحتمل أن تكون اللام بمعنى ‏(‏عند‏)‏ والضمير للبعض وعليه فبعضهم مبتدأ، والصلاح مبتدأ ثان‏.‏ وله يتعلق بمعتبر، ولا بد في هذا الوجه من تقدير كلام أي‏:‏ وبعضهم الصلاح معتبر عنده مع ما ذكر من حفظ المال وحسن النظر فيه، فالوجه الأول أحسن إذ لا يحتاج معه إلى تقدير، إذ الضمير في ‏(‏له‏)‏ عائد على ما ذكر من حفظ المال وحسن النظر فيه ووجه هذا القول إنه إذا لم يكن صالحاً في دينه بل كان فاسقاً شريباً مثلاً أدى إطلاقه من الحجر إلى فناء ماله، ولكن المعمول به ما تقدم من اعتبار حفظ المال وحسن النظر فيه ولا زال العمل عليه إلى الآن، وأما حسن الدين فلا وسيأتي قول الناظم‏:‏

وشارب الخمر إذا ما ثمرا *** لما يلي من ماله لن يحجرا

والتثمير التنمية‏.‏

وَالابْنُ ما دامَ صغيراً للأَبِ *** إلى بُلُوغٍ حَجْرُهُ فيما اجْتُبي

‏(‏والابن ما دام صغيراً‏)‏ ذكراً كان أو أنثى ‏(‏للأب إلى البلوغ حجره‏)‏ مبتدأ ثان وخبره للأب و‏(‏فيما اجتبى‏)‏ يتعلق بالاستقرار في الخبر أي‏:‏ فيما اجتبى عند جميع أهل العلم، ولا مفهوم للأب بل والوصي والمهمل كذلك، وظاهره أنه لا يخرج من الحجر ولو ظهر رشده وحسن تصرفه وهو كذلك اتفاقاً كما في ضيح وعليه فإذا تصرف بغير معاوضة من هبة وعتق فإن ذلك لا يمضي ولو بإذن وليه كما في المقدمات وإن تصرف بمعاوضة من بيع وشراء ونحوهما، فذلك موقوف على نظر وليه إن رآه مصلحة أمضاه وإلاَّ، رده فإن لم يكن له ولي وغفل عن ذلك حتى احتلم ورشد كان النظر إليه في إنفاذ ذلك أو رده، ولو وافق فعله السداد والمصلحة على المشهور ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وللولي رد تصرف مميز وله إن رشد ولو حلف بحرية عبده في صغره وحنث بعد بلوغه أو وقع الموقع الخ‏.‏

تنبيهات‏:‏

الأول‏:‏ قال البرزلي في أوائل النكاح‏:‏ إذا كان المحجور يبيع ويشتري ويأخذ ويعطي برضا حاجره وسكوته، فيحمل على أنه هو الذي فعله بذلك أفتى شيخنا الإمام ووقع الحكم به قال‏:‏ ولا يبعد أن يجري على حكم ما إذا أعطي مالاً لاختبار حاله وفيه قولان في المدونة اه‏.‏ وسيأتي ذلك عند قول الناظم‏:‏ وجاز للوصي فيمن حجرا الخ‏.‏ وما تقدم عن البرزلي نقله ‏(‏ح‏)‏ صدر البيوع عند قوله‏:‏ ولزومه تكليف الخ‏.‏ قائلاً‏:‏ وبه أفتيت، ومقابله للأبهري أن سكوته ليس برضا يعني‏:‏ ولا بإذن، وحينئذ فلا يلزمه ذلك، وعلى الأول فإن كان صواباً ومصلحة لزم، وإن كان غير مصلحة نقض ما دام البيع قائماً بيد المشتري، فإن فات بيده ببيع أو غيره لم ينقض ورجع على المشتري بكمال القيمة على ما أفتى به ابن رشد فإن تعذر الرجوع على المشتري بكل وجه وكان الوصي عالماً بأنه غير مصلحة فالظاهر أنه يضمن اه‏.‏

الثاني‏:‏ ليس معنى قولهم‏:‏ إذا كان المحجور يبيع ويشتري بحضرة وليه وسكوته الخ أنه يكون مطلق اليد ويخرج بذلك من الحجر حتى يمضي ما فعله بغير حضرة وليه كما توهمه عبارة المواق وتمسك بها بعضهم اليوم فأفتى بذلك، وإنما مرادهم أن ما فعله بحضرته وسكوته من بيع ونحوه يحمل على أنه أجاز خصوص ذلك البيع، ونحوه الواقع بحضرته لأن سكوته عنه إذن فيه حكماً، وأما ما عداه مما لم يكن بحضرته فلا يمضي إلا بإمضائه وقد قال في المدونة‏.‏ ليس الإذن للسفيه في البيع مزيلاً للسفه اه‏.‏ وإذا كان الإذن بالصراحة ليس مزيلاً للسفه فأحرى السكوت الذي هو منزل منزلته، بل ذكر ‏(‏ح‏)‏ في الإقرار عند قوله‏:‏ لا أقر الخ‏.‏ خلافاً في السكوت هل هو إذن أو ليس بإذن‏؟‏ قال عن ابن رشد‏:‏ وأظهر القولين إنه ليس بإذن الخ‏.‏ وعليه فما تقدم عن الأبهري هو الأظهر لولا أن الحكم والفتوى وقعت بخلافه في خصوص النازلة كما مر فيجب اتباعه‏.‏

الثالث‏:‏ إذا باع المحجور شيئاً من عقاره ونحوه بغير إذن وليه فللولي الرد والإمضاء كما مرَّ، ثم المبتاع إن وجد الثمن بيد المحجور وشهدت بينة لم تفارقه أنه الثمن المدفوع أو كان مم يعرف بعينه أخذه، وكذا إن شهدت بينة بأنه صرفه في مصالحه مما ليس له منه بد قاله ابن سلمون‏.‏ ونقله في المواق صدر البيوع ونحوه في المتيطية، ونظمه في العمل المطلق، وحكي عن العبدوسي أن العمل عليه‏.‏

إنْ ظَهَرَ الرُّشْدُ ولا قوْلَ لأَبْ *** وَبالغٌ بِالعَكْسِ حَجْرُهُ وَجَبْ

‏(‏إن ظهر الرشد‏)‏‏:‏ شرط فيما قلبه، والمعنى أن الصبي إما أن يبلغ ظاهر الرشد متحققه فيرتفع الحجر عنه حينئذ ‏(‏ولا قول لأب‏)‏ في رد شيء من أفعاله ولو لم يشهد على إطلاقه من الولاية لخروجه منها ببلوغه وظهور رشده، وإما أن يبلغ ظاهر السفه متحققه وهو معنى قوله‏:‏ ‏(‏وبالغ بالعكس حجره وجب‏)‏ فلا يمضي شيء من أفعاله ولو لم يحجر عليه على ما عليه العمل اليوم حتى يثبت رشده، وإما أن يبلغ مجهول الحال مشكوكاً فيه، فإن جدد عليه أبوه الحجر بفور البلوغ كان مردود الأفعال أيضاً كما قال‏:‏

كَذَاكَ مَنْ أبُوهُ حَجْراً جَدَّدَا *** عليه في فَوْرِ البُلُوغِ مُشْهِدَا

‏(‏كذك‏)‏ يستمر ‏(‏من أبوه حجراً جددا عليه‏)‏ الحجر ‏(‏في فور البلوغ‏)‏ حال كونه ‏(‏ مشهداً‏)‏ بذلك بأن يشهد الشهود أنه جدد الحجر عليه بحيث لا يمضي له فعل إلا بعد تبين رشده وإطلاقه من ثقاف الحجر الخ‏.‏ فيكون قوله‏:‏ كذاك حجر الخ‏.‏ هو في مجهول الحال قبل مضي العام والعامين أي في معلوم السفه، وفائدته في معلوم السفه أنه لا يخرج من الحجر إلا بالإطلاق على القول باعتبار الولاية وهو قول مالك لا على القول باعتبار الحال المعمول به كما يأتي، ولا يصح أن يكون كلامه هنا فيمن بلغ معلوم الرشد لأن هذا لا يصح تحجيره ولو بفور البلوغ كما في النقل، وكما قدمه الناظم في قوله‏:‏ ولا قول لأب الخ‏.‏ وهو صريح قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 6‏)‏ إذ لا يجوز إمساك ماله حينئذ عنه، ومن أمسكه فهو ضامن كما يأتي للناظم آخر الباب خلافاً لما في الشيخ بناني عن ابن عاشر من أنه يجوز التجديد مع كونه حافظاً لماله الخ‏.‏ وظاهر قوله‏:‏ بفور البلوغ أن تجديده عليه قبله لا يصح لأنه من تحصيل الحاصل كما لا يصح تجديد الحجر على البنت البكر قبل البناء قاله ابن رشد، ونحوه في المعيار عن العبدوسي قائلاً‏:‏ وبه القضاء والعمل‏.‏ ثم لا بد أن يضمنوا بلوغه في رسم التجديد وإلاَّ بطل لاحتمال أن يكون جدد قبل البلوغ فلم يصادف محلاً كما أنه لا بد أن يضمنوا في البنت وقت الدخول وإلاَّ بطل للعلة المذكورة قاله في دعاوى المعيار‏.‏ ثم ما ذكره الناظم من جواز التجديد المذكور‏.‏ قال المتيطي عليه انعقدت الأحكام، وقال ابن مغيث‏:‏ به مضى العمل من شيوخنا قال‏:‏ ولا يجوز حينئذ من أفعاله شيء‏.‏ قال‏:‏ وكذا لا يلزمه ما أقر به بعد التحجير بمدة، وأما ما أقر به بالقرب من تحجيره فيلزمه ونظمه في العمل المطلق قال‏:‏ وم ذكره من التفصيل في إقراره مبني على قول مالك أن فعل السفيه قبل الحجر محمول على الإجازة وهو قول مالك، فيلزمه ما أقر به بالقرب من تحجيره لئلا يضيع مال من عامله بخلافه بعد الطول من حجره لبعد وقت التعامل اه‏.‏ ومفهوم قوله‏:‏ بفور البلوغ أنه إذا تأخر تجديد الحجر عن البلوغ بكثير، والمراد بذلك ما زاد على العام والعامين كما في التوضيح وغيره لم يجز تجديده ولم يلزم، وعليه يحمل ما في وصايا المعيار عن سيدي موسى العبدوسي من أن شهود التجديد إن لم يضمنوا علمهم بسفه الولد فلا أثر للتجديد ولا عمل عليه اه‏.‏ وقال في المقصد المحمود‏:‏ ولا يجدد الأب الحجر على ابنه الذكر إلا في فور بلوغه فإن تراخى قليلاً لم يجز إلا بالشهادة باتصال سفهه، وإن لم تقم بينة به خرج من ولايته ولا يدخل تحتها إلا أن يثبت عند القاضي سفهه ويعذر إليه، فإن لم يكن له مدفع ولى عليه أباه أو غيره اه‏.‏ ونحوه في الاستغناء‏.‏ وقال في المتيطية‏:‏ إن جدد تسفيه ابنه البالغ عند حداثة بلوغه جاز ذلك‏.‏ قال ابن العطار إلى عام، وقال الباجي‏:‏ هو على السفه إلى عامين حتى يثبت رشده، وإن تباعد فهو على الرشد حتى يثبت سفهه عند القاضي ويعذر إليه، يقدم عليه ناظراً أباه أو غيره اه‏.‏

وَبالغٌ وَحَالُهُ قدْ جُهِلاَ *** عَلَى الرَّشَادِ حَمْلُهُ وَقِيلَ لا

‏(‏وبالغ وحاله قد جهلا على الرشاد حمله‏)‏ حتى يثبت سفهه، وهي رواية ابن زياد عن مالك، وهو ظاهر ما في نكاح المدونة إذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء إلا أن يتأول أنه أراد نفسه لا بماله كما تأوله ابن أبي زيد ‏(‏وقيل لا‏)‏ يحمل على الرشد بل على السفه وهو المشهور كما في ‏(‏ح‏)‏ عن ابن رشد والتوضيح، وهو الذي عول عليه ‏(‏ خ‏)‏ حيث قال‏:‏ إلى حفظ مال ذي الأب الخ‏.‏ أي إلى وجوده، وفي الجهل لم يوجد له حفظ، ولذلك كان للأب أن يحجر عليه بفور بلوغه كما مرّ‏.‏ وفي الشامل‏:‏ وللأب تسفيه ولده بعد بلوغه ما لم يعلم رشده الخ‏.‏ لكن هذا القول المشهور ظاهر في أنه محمول على السفه حيث يثبت رشده ولو طال، وتقدم أنه إذا طال حتى زاد على العامين فإنه يحمل على الرشد وليس للأب تسفيهه حينئذ إلا بالرفع وإثبات سفهه كما مرَّ وهو قول ثالث‏.‏ وكان الناظم لما قدم القول بالتجديد إثر البلوغ حسن منه أن يشير إلى القولين الباقيين في المسألة وإلاَّ فهذا البيت لا حاجة إليه، وربما يكون ذكره مشوشاً ومعارضاً لما قدمه والله أعلم‏.‏

وَإنْ يَمُتْ أبٌ وقَدْ وَصَّى عَلَى *** مُستَوْجِبٍ حَجْراً مَضَى مَا فَعَل

‏(‏وإن يمت أب و‏)‏ الحال أنه ‏(‏قد وصى على مستوجب‏)‏ بكسر الجيم اسم فاعل ‏(‏حجراً‏)‏ مفعوله من صغير أو سفيه يثبت سفهه ببينة وقت الإيصاء أو مجهول حال لم يمض عليه العام والعامين من بلوغه، لأن الإيصاء عليه حينئذ كتجديد الحجر عليه ‏(‏مضى ما فعلا‏)‏ من تحجيره، والإيصاء عليه ولا يخرج حينئذ من الولاية إلا بإطلاق من وصي أو سلطان وأفعاله كلها مردودة قبل الإطلاق، وإن علم رشده أو مات وصيه ولم يقدم عليه وهو معنى قوله ‏(‏خ‏)‏‏:‏ إلى فك وصي أو مقدم الخ‏.‏ ولكن الذي به العمل الآن هو مذهب ابن القاسم أنه إذا علم رشده وثبت فلا ترد أفعاله، وإن كان وصيه أو أبوه موجوداً فضلاً عن موتهما وإن ثبت سفهه فأفعاله مردودة وإن لم يكن مولى عليه قال ناظم العمل‏:‏

وينتفي الحجر إذا بدا الرشاد *** فمن تصرف مضى ولا فساد

وهذا العمل مطرد في الذكر والأنثى وذي الأب والوصي والمهمل‏.‏

تنبيه‏:‏

ظاهر قول الناظم مضى ما فعلا الخ‏.‏ أن الأب إذا شرط في إيصائه أن ولده يكون مطلق التصرف بعد بلوغه أنه يعمل بشرطه وهو كذلك على ما صدر به في المتيطية‏:‏ والمعين ما لم يثبت سفهه فتستمر عليه الولاية وترد أفعاله، وقال ابن عرفة‏:‏ إن شرط الأب في إيصائه بابنه إطلاقه بعد بلوغه عشرين سنة فمات وصيه وبلع اليتيم المدة وتصرف وهو مجهول الحال ففي وقف تصرفه على ثبوت رشده وإطلاقه بشرطه قولان‏.‏

قلت‏:‏ وبالأول عمل القضاة من ذوي العلم ببلدنا اه‏.‏ باختصار‏.‏ ونقله ابن غازي في التكميل‏.‏

وَيَكْتَفِي الوَصِيُّ بالإِشْهَادِ *** إذَا رَأَى مَخَايلَ الرَّشَادِ

‏(‏ويكتفي الوصي‏)‏ من قبل الأب ووصيه ‏(‏بالإشهاد‏)‏ على نفسه أنه أطلق محجوره من ثقاف الحجر، وإن لم تشهد بينة برشده وحسن تصرفه ‏(‏إذا رأى مخايل‏)‏ دلائل ‏(‏الرشاد‏)‏ وهو مصدق فيما يذكره من رشده وحسن تصرفه، وإن لم يعرف إلا من قوله وسواء كان محجوره ذكراً أو أنثى، قال في الشامل‏:‏ وزوال الحجر ببلوغ ورشد بينهما اختبار ثم قال‏:‏ واختباره يكون بدخول الأسواق ومخالطة الناس في البيع والشراء فينكر على المغبون ويغبط الرابح وهل يختبر بدفع شيء يسير من ماله قولان‏.‏ وسيأتي أن الراجح من القولين جواز اختباره بالشيء اليسير في قول الناظم‏:‏ وجاز للوصي فيمن حجرا الخ‏.‏ وإنما كان لا يجوز الترشيد إلا بعد الاختبار لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وابتلوا اليتامى ‏}‏ إلى قوله‏:‏ فإن آنستم منهم رشداً‏}‏ الآية ‏(‏النساء‏:‏ 6‏)‏ ابن دبوس‏:‏ اختلف في إطلاق الوصي محجوره فقال مالك‏:‏ إطلاقه جائز والوصي مصدق فيما يذكر من حاله، وقيل لا يجوز إطلاقه إلا أن يعلم رشده ببينة وهي رواية أصبغ، وعلى الأول العمل اه‏.‏ باختصار‏.‏ ومفهوم مخايل الرشاد أنه إذا لم يرها لم يجز له أن يطلقه إلا أن يثبت رشده بالبينة ويحكم القاضي عليه به، وكذا مقدم القاضي الذي هو مفهوم الوصي ليس له أن يطلقه بما يعرفه من حاله بل لا بد من إذن القاضي وشهادة البينة برشده كما قال‏:‏

وفي ارْتِفَاعِ الحَجْرِ مُطْلقاً يَجِبْ *** إثْبَاتُ مُوجِبٍ لترشِيدٍ طُلِب

‏(‏وفي ارتفاع الحجر مطلقاً‏)‏ كان من مقدم القاضي أو الوصي حيث لم ير مخايل الرشاد وإلاَّ فهو ما قبله ‏(‏يجب إثبات موجب لترشيد طلب‏)‏ أي‏:‏ طلبه المحجور فلا يجاب إليه بعد إثبات موجبة من البينة برشده وحسن حاله، وأنه ممن لا يخدع في بيع ولا ابتياع ويعذر القاضي للوصي والمقدم في تلك البينة فإذا لم يجد مطعناً حكم بإطلاق حينئذ وما ذكره الناظم في مقدم القاضي من أنه لا يرشده إلا بالبينة، ولو عمل رشده هو الذي به العمل كما في الشامل ونظمه في العمل المطلق وهو اختيار اللخمي قائلاً‏:‏ لفساد حال الناس اليوم إذ كثيراً ما يقدم غير المأمون فيتهم أن يقول رشيد فيمن ليس برشيد ليسامحه المولى عليه ويشهد له بالبراءة فلا يؤتمن أحد اليوم إلا أن يثبت رشده اه‏.‏ ونحو ذلك لابن عطية في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وابتلوا اليتامى ‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 6‏)‏ قائلاً‏:‏ الصواب في أوصياء زماننا أن لا يستغنى عن الرفع للسلطان وثبوت الرشد عنده لما حفظ من تواطىء الأوصياء على ترشيد محاجيرهم ويبرئهم المحجور لسفهه وقلة تحصيله في ذلك الوقت اه‏.‏ ونقل ذلك ابن رحال في شرحه، وعليه فالعمل الذي في مقدم القاضي يجري في الوصي لاتحاد العلة بفساد الزمان لأن ذلك إذا كان في زمان ابن عطية فكيف به في زماننا الذي هو بعده بقرون كثيرة‏؟‏ ولذا قال الشيخ الرهوني‏:‏ العمل بذلك متعين في زماننا‏.‏

تنبيه‏:‏

علم من هذا أن مقدم القاضي إذا دفع المال للمحجور بما يعرفه من حال رشده دون بينة ودون حكم القاضي عليه به فهو ضامن له كما أن الوصي إذا دفعه له قبل مخايل الرشاد ضمن أيضاً وكذا بعد مخايله على ما تقدم عن ابن عطية‏.‏